آمنة الجرناظي

"كنت أقرأ كثيراً وأردت توثيق قصتي. ذكرتني بقصة دوستويفسكي 'الجريمة والعقاب'."

فتحت آمنة فيتوري الجرناظي، التي يعرفها أصدقاءها باسم منى، منزلها لمجاهد صغير من درنا اسمه صالح المؤدب. كان صالح مقاتلاً مع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. كانت الجبهة مجموعة معارضة ناشطة حاول أعضاؤها في 8 مايو 1984 إختراق باب العزيزية وإغتيال القذافي. تم تبادل إطلاق النار بين الطرفين إلا أن الهجوم باء بالفشل.

أصيب المؤدب ولجأ إلى منزل عائلة خميس، شقيق الجرناظي. كانا قد درسا سوياً في اليونان. رفضت آمنة ووالدة خميس استقباله فتوجه إلى المنزل الذي تعيش فيه آمنة مع زوجها يوسف وأبنائها الأربعة. “كانت إصابته بالغة وشعرنا أنه علينا المساعدة بالرغم من المخاطر.”

كان المؤدب قد خطط للبقاء أياماً فقط لكن كان يتم إعتقال الآلاف ممن كان لهم صلة بالهجوم. وفي الثامن من  يونيو تم شنقهم علناً. كان من بين هؤلاء عثمان الزرتي وصادق شويهدي. “علم إخوتي خميس ومحمد عبد السلام وعلي بأن صالح يقيم في منزلي فكانوا يزوروننا خلال تلك الفترة. قضىى صالح شهرين وثمانية عشر يوم معنا ثم قرر زوجي الذي كان يعمل في إصلاح المراكب نقله إلى مالطا.”

قبل أن يتمكن صالح من السفر تم اكتشاف مكانه والكشف عن خطتهم. “اعتقلوا أولاً إخوتي خميس وعبد السلام يوم الخميس 26 يوليو ثم قام محمد باصطحاب صالح إلى مخبأ آخر ونصحني بالمكوث في منزل والدتي فبما كان زوجي في مهمة في أوزو.”

خلال يومين، تم اعتقال الجرناظي ووالدتها وإخوتها الأربعة وزوجها يوسف.

“قدموا إلى منزل والدتي عند الغروب تقريباً ودخلت أفواج المسلحين والمدنييين يسألون عن صالح وخميس وفتشوا المنزل.”  تم اعتقال جورناظي ووالدتها عند الساعة الثانية والنصف فجراً. “قالوا أنهم سيأخذون والدتي إلى المستشفى لكنني كنت أعلم أن ذلك أمر مستحيل. صدمت حين خرجنا من المنزل إذ رأيت عدداً كبيرا من المسلحين داخل السيارات. كل هذا لاعتقال امرأتين؟ أخذونا إلى سجن أبو سليم مباشرة وبقي أولادي في المنزل مع أختي نبيهة وجدتي.”

كانت أعمار أبناء جورناظي سنة وسنتين وتسعة وعشر سنوات.

كانت عينيهما معصوبة لكنهما شعرتا أنهما في سجن بسبب الممرات الطويلة وصوت المعدن المدوي. “كان من الصعب أن أرى أمي تعامل هكذا. عندما أزالوا العصبة عن عينينا، رأينا العديد من الزنزانات والفرشات المتسخة. أبعدت أمي وجهها عني إذ كانت قد حذرتني من مساعدة صالح وكانت تعلم مدى سوء معاملة النظام ولامتني على الموقف الذي كانت تواجهه.”

كانت الغرفة التي انتقلتا إليها في اليوم التالي مزودة بحمام مسدود وكانت الأضواء مشتعلة فيها ليل نهار والناموس يملؤها.

“استجوبوا أمي يومين وأنا لمدة ستة أيام وأحضروا أخي خميس خلال الاستجواب. كان قد تعرّض للضرب وكانت ملابسه ملطخة بالدماء. لم يكن يرتدي حذاءً لأن قدماه كانت متورمة. أحضروا أخي صبري أيضاً لكن لم تكن عليه أي علامات سوء معاملة. أحمد الله أنه كان بعيداً طوال الأشهر القليلة الماضية ولم يكن يعلم شيئاً عن مسألة صالح فتمكن من مساعدة أختي في تربية أطفالي خلال فترة غيابي.”

بعد ثلاثة وثلاثين يوماً على احتجاز الجرناظي ووالدتها، ودّعا زملائهما في سجن أبو سليم. “أعطانا الحراس متعلقاتنا واعتقدنا أننا سنذهب إلى المنزل لكنهم نقلونا في شاحنة بزنزانات معدنية وبعد ساعة وجدنا أنفسنا في سجن جديدة. علمت حينها أننا سنسجن لفترة طويلة.”

كانت مساحة زنزانة الجرناظي 5 في 5 أمتار وتتضمن عشرة أسرّة. “كنا جميعاً معتقلين سياسيين وكانت لدينا مساحة خاصة للتنزه لأنهم ما كانوا يريدوننا أن نختلط بالمجرمين ونؤثر على آرائهم السياسية. كنا نتحدث إليهم رغم ذلك عبر ثقب صغير بين الأبواب. طلبت من إحدى السجينات أن تزور عائلتي وتأتيني برسالة منهم وفعلت وما زالت الرسالة  معي إلى الآن. لم أفكر في العواقب عندها بل كنت أفعل ما علي فعله وكان علي أن أطمئن على أبنائي.”

كانت جدتها واختها نبيهة وأخوها صبري يهتمون بأطفالها. قام الأولاد بزيارتها في السجن بعد سنة. “دخلوا من دون صبري ولم يتعرف الصغار إلي. كان الأمر سيئاً.”

زارها أبناؤها بعد ذلك مرة كل عام, “فاتتني أربع سنوات من عمر أبنائي”. تم إطلاق سراح الجرناظي ووالدتها وأخوها عبد السلام ومحمد عام 1988. اتهموا بإخفاء المعلومات لكنهم لم يمثلوا أمام محكمة أو يقابلوا محامياً أو قاضياً.

أطلق سراح أخاها علي عام 2001 بعد ثمانية عشر عام في السجن أما أخوها خميس وزوجها يوسف وصالح الذي أخفوه في منزلهم فتم إخلاء سبيلهم عام 2002 بعد تسعة عشر عام في السجن.

على الرغم من تركها للدراسة عام 1968 أي بعد انتقال عائلتها من تونس وطن أمها إلى ليبيا 68 بقيت الجرناظي تقدر الثقافة والأدب . “كنت أقرأ كثيراً وأردت توثيق قصتي. ذكرتني بقصة دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” لكن نحن المعتقلين السياسيين كنا محرومين من الورقة والقلم. اكتشفت أن علب الحليب التي كانوا يوزعونها علينا ملفوفة بالأوراق فقمت بجمعها وطلبت من ممرضة هندية أن تأتيني بقلم”. كتبت الجرناظي مذكراتها على ورق علب الحليب طوال أربع سنوات ووضعتها عند إطلاق سراحها أسفل حقيبتها كي لا يكتشفها أحد.


سُجلت هذه المقابلة
في منزلها في طرابلس
يوم 11 / 12 / 2012

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: