إبراهيم الكاديكي

"أنكر القذافي وجود 1300 جندي ليبي في السجون التشادية"

كان إبراهيم عبد الحميد الكاديكي رجلاً متزوّجاً حديثاً عندما أُمر عام 1986 بالإنضمام إلى القوات الليبيةُ الحديثة التي تحارب في تشاد شرط ألا يتمّ تجميد راتبه. يقول إبراهيم: “خدمت في القاعدة العسكرية في فادا مع  1300جندي ليبي آخر منذ وصلت إلى تشاد في 22 أكتوبر 1986وحتى 2 يناير1987 “.

أتى الكاديكي من بنغازي بينما قدم الجنود الآخرون من جميع أنحاء ليبيا، كان من ضمنهم مجموعة تابعة للشرطة المدنية في الجبال الخضراء، فكانوا عسكريين ومدنيين.

استمرّ الصراع بين ليبيا وتشاد لسنوات طويلة، ويذكر الكاديكي معركة فادا إذ كانت المرة الأولى التي يشارك المدنيون أمثاله في معركة أو قتال.

يقول عنها : “ كنت أرى طائرات محمّلة بالمؤن والأسلحة ومركبات عسكرية تتوجّه إلى قوات صديقة، في حين لم نكن نحصل على أي مؤن أو تمويل بالرغم من أن حبري حسين (الرئيس التشادي)  قد أعلن أنه سيبدأ تحرير الأراضي التي تخصّ تشاد أول يناير 1987”.

آنذاك كانت قوات حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية التشادية التي يدعمها القذافي عسكرياً منذ العام 1983من أجل الإطاحة بنظام حبري (قوات صديقة لنا على حد تعبير الكاديكي). يقول إبراهيم الكاديكي : “ تفاجأنا يوم 2 يناير1987 بسماع إطلاق نار حوالي الساعة السادسة صباحاً. في بادئ الأمر اعتقدنا أن قوات صديقة تقوم ببعض التدريبات لقرب موقعها منا، لكننا لم نكن نتوقّع قيام الحرب في ذاك اليوم”.

والواقع يظهر اليوم أن حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية التشادية كانت قد تمرّدت على القذافي قبل أسابيع وشاركت في معركة تيبستي في شهر ديسمبر. يقول إبراهيم : “ كانت قوات صديقة وقوات حبري تطلقان النار على القوات الليبية بكثافة وبصورة عشوائية، ولم نكن مستعدين للرد، فدباباتنا وأسلحتنا قديمة لم تمكنّا من الدفاع عن أنفسنا. سقط أصدقائي وماتوا أمامي. هربت أنا برفقة أربعة جنود آخرين باتجاه الجبال المهجورة حيث قضينا يومين من دون ماء، وشاهدنا هناك جثث الرجال الذين ماتوا من العطش“.

حاصرتهم القوات التشادية وبدأت بإطلاق النار عليهم مجدداً فلقي البعض حتفه، بينما أسر الباقون وكان الكاديكي من الذين تمّ أسرهم. يقول: “حين وصلت إلى السجن في فادا كان هناك حوالي 150 ليبياً آخرين وكان معظمهم من الجرحى”.

تمّ نقلهم إلى مخبأ كبير للطائرات في العاصمة انجامينا، حيث يمكث الناجون من الأمراض وسوء التغذية لمدّة ثلاثة أشهر قبل أن يتمّ نقلهم مجدداً، وإفساح المجال أمام الأعداد المتزايدة للسجناء الليبيين المتدفقين بعد كل معركة. يقول في ذلك: “نقلنا من مخبأ الطائرات إلى سجن أصغر وكنّا عشرين سجيناً حينها ، مزدحمين في زنزانة لا تتّسع لأكثر من عشرة، وكان السجناء يموتون بسبب سوء التهوئة” .

ويروي الكاديكي حكاية بشير رياني، السجين الذي مات بالقرب منه بسبب نقص في الأوكسجين . يضيف: “الغرغرينا كانت أيضاً من أسباب موت السجناء، كان الناجون يتساءلون عن المستقبل: هل ستنقذنا ليبيا؟ هل سيتدخل الصليب الأحمر؟ “لم نكن نعلم شيئاً حتى منتصف سبتمبر بعد أن خسرت ليبيا الحرب واستعادت تشاد كل أراضيها تقريباً”.

عندها، سمعوا القذافي ينكر في خطاب مسجّل وجود أسرى ليبيين في تشاد وينكر الصراع بأكمله. يقول: “أنكر وجود عدد كبير من الجنود الليبيين في السجون التشادية“.

كان عددهم حوالي الألف وثلاثمئة جندي تقريباً وكان لهؤلاء عائلات في ليبيا. يقول إبراهيم: “كانت عائلاتنا الأمل الوحيد الذي أبقانا على قيد الحياة في السجن، نسأل ماذا فعلوا عندما أنكر القذافي وجودنا وطمس آثار الحرب تماماً! فهم لم يكونوا يعلمون بمكاننا ولا حتى إن كنّا أحياء”.

تواصل الكاديكي الذي كان عضواً في المعارضة الليبية في الولايات المتحدة الأمريكية مع عائلته في ليبيا في مايو عام 1991. يقول: “اتصلت بهم يوم 17 أو 18 مايو، لكنهم لسوء الحظ لم يتعرّفوا علي، اعتقدوا أنني كنت ميتاً اتصلت مرتين ولم يصدّقوني، حتى والدتي لم تعرفني فاضطررت إلى وصف منزلي بالتفصيل، وحين اتصلت في المرّة الثالثة كان عمّي في المنزل فتبادلنا بعض التفاصيل الشخصية وتأكّد من هويتي . أثّر بي هذا كثيرًا كما تأثرت بالبكاء وبمشاعر الحزن والسعادة”.

انتهى الحال بالكاديكي في الولايات المتحدة بعد مروره بزائير وكينيا.  كان من بين الأسرى الليبيين الذين حرموا حقوقهم وانضموا إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بعد سماعهم خطاب القذافي الذي أنكر فيه وجودهم في تشاد.

و كان حينها العقيد خليفة حفتر في الجيش الليبي من أول الأشخاص الذين انضموا إلى الجبهة قبل حشد بقية زملائه. يقول الكاديكي: ”أخبرنا أن القذافي أنكر وجودنا لذا سنتدرّب ونشكل جيشاً قوياً لندخل ليبيا المنتصرة، وكان ذلك الخيار أفضل من البقاء في السجن والموت فيه، أما من رفض الإنضمام فبقي في السجن في تشاد. كنت واحداً من أصل 700 جندي انضمّوا إلى الجبهة”.

لم تفلح الخطة فعاد بعض من أعضاء الجبهة إلى ليبيا وانتقل البعض الآخر إلى الولايات المتحدة .  يقول إبراهيم : “عندما كنت في أمريكا، أردت أن أتعلّم وأعمل وأبني مستقبلاً لأنني كنت مقتنعاً بأنني معارض لنظام القذافي وللإساءات التي رأيتها.  وبدأت نشاطاتي السياسية في الخارج فعملت في مجال الإعلام أولاً لفضح النظام”.

بعد ثورة فبراير2011 ، واصل الكاديكي نشاطه السياسي على الأرض في بنغازي التي لم يكن قد رآها منذ 24 عاماً.


سُجلت هذه المقابلة
في فندق جليانا، بنغازي
يوم 09 / 04 / 2013

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: