بشير جربوع

"كانت تلك أول مرّة يطالب فيها الليبيون بسقوط النظام فعلياً، بتاريخ الرابع من كانون الثاني 1976"

كان بشير جربوع في السابعة عشرة من عمره حين تمّ استجوابه للمرّة الأولى عام 1973.

ذلك على إثر  زيارة مندوبي الحكومة إلى مدرسته لتعريف الطلاب بالإتحاد العربي، فلم تعجبهم أراء بشير آنذاك فتم استجوابه، واضطر والده إلى توقيع تعهّد بإبقاء بشير بعيداً عن السياسة، لكن هذا الأخير لم يحترم التعهّد وانضمّ في الثامن والعشرين من شباط 1975  إلى مظاهرة طلابية في بنغازي، قامت ضد سوء معاملة الجيش للطلاب.

ويقول فيها بشير : “تمّ إلقاء القبض على العديد من الطلاب، وأنا من بينهم وتم سجني تسعة عشر يوماً، من بعدها بدأنا العمل على تشكيل اتحاد للطلاب في أواخر عام 1975، وأجرينا الإنتخابات لكن ذلك لم يعجب النظام لأن المنتخبين كانوا هم الناشطين في المظاهرات، لكننا أصرّ ينا على بقائهم لأننا انتخبناهم ديمقراطياً“.

وجدوا أنفسهم في مواجهة مع رجال النظام الذين قدموا إلى الجامعة مسلحين .

يقول بشير: “كان جلال بو سنوقة أول من أصيب بطلق ناري في الرأس، فتوجّهنا عفوياً وتلقائياً إلى الشارع للإحتجاج على مقتله على أيدي المخابرات.

و كما بدأنا بطلب لتشكيل اتحاد ديمقراطي للطلاب انتهى بمطالبة لسقوط النظام“.

كانت تلك أول مرّة يطالب فيها الليبيون بسقوط النظام فعلياً في ميدان الشجرة في بنغازي بتاريخ الرابع من كانون الثاني 1976. يقول عنها بشير: “ أحاطت بنا قوّات الشرطة العسكرية والحرس الوطني وضبّاط الأمن الداخلي وبدأوا بإطلاق النار باتجاهنا، أصيب خمسة عشر شخصاً وقضى نحبه موفق خياط“.

استعاد الطلاب سيطرتهم على الوضع باستخدام قنابل المولوتوف والحجارة، وبدأوا بالتخطيط لاحتجاج كبير في السابع من كانون الثاني.

في تلك الأثناء، ظلّوا يتظاهرون في جميع أنحاء المدينة كما أضرموا النار في مقر الإتحاد الإشتراكي وممتلكات حكومية أخرى.

يقول بشير: “مشينا يوم السابع من كانون الثاني باتجاه المحكمة مطالبين بسقوط النظام فاستقال القاضي ورئيس نقابة المحامين، ودعمنا النائب العام محمد محلل الذي سُجِن سبع سنوات نتيجة لذلك. انتشرت الحركة الطلابية في طبرق ودرنة والبيضاء فبدأ النظام بالتفاوض معنا “.

إلتقى الطلاب بعض مجلس قيادة ثورة القذافي محمد نجم وبرئيس القوات المسلّحة الليبية أبو بكر يونس جابر .

يقول عن ذلك اليوم: “في ذلك اليوم، رفع جابر يديه مستسلماً وطلب منا أن نكتب له جميع مطالبنا، كنّا قد ربحنا  فعلياً وبدأنا العمل بالطريقة التي كنّا نراها مناسبة“ .

سافر جربوع برفقة مصطفى نويري إلى لوبورو في مارس لحضور مؤتمر دعاهما إليه الإتحاد الدولي للطلاب، حيث كانا يعتزمان الحديث عن الطريقة التي كان يُعامل بها الطلاب الليبيون، وكان لوزير التربية والتعليم محمد شريف آنذاك كلمة تحدّث خلالها عن ما حدث في ليبيا معتبرًا إياه أمرًا ثانوياً وبسيطاً. لم يكن محمد شريف يتوقع وجود الطالبين في المؤتمر.

قال بشير: “أحرجنا النظام بحديثنا عن إطلاق النار الذي تعرضنا إليه خلال المظاهرات“.

في السابع من نيسان، وفيما كان جربوع والنويري في المملكة المتحدة، حدثت تظاهرة طلابية في بنغازي.

يقول عنها بشير: “قرأنا عن المواجهات بين الطلاب والسلطة التي كانت تدعي تطهير الجامعات من المرضى، ونصحني سعد بن عمران (رئيس الأمن الداخلي)  في بنغازي آنذك بعدم العودة لأنني من بين المطلوبين، لكن لم يكن أمامي خيار فعدت إلى ليبيا، كان عليّ أن أكون مع أصدقائي، بينما مصطفى الأكبر سناً وخبرة سياسية مني بقي هناك، علمتُ مع الأيام، أي بعد مرور ثمانية أعوام، أنه قتل شنقاً في جامعة بنغازي، واختفت جثته في وقتها، حتى وجدوها بعد ثورة 2011مجمّدة في مبنى حكومي.

توقّعتُ بصفتي طالباً أن يتمّ طردي أو سجني لشهرين، لكنني لم أتوقّع يوماً أن أجد نفسي متورّطاً في مؤامرة سياسية وأن يحكم عليّ بالموت !!“.

اقتيد جربوع إلى الكتيبة فور وصوله إلى بنغازي، وكان حينها يتوقّع أن يتمّ استجوابه وأن يجبر على توقيع تعهّد ما، لكنه وجد نفسه مسجوناً في الكتيبة بتهمة التورّط في مؤامرة سرّية تهدّد الأمن القومي الليبي.

يقول بشير: “كيف يمكن أن تكون المؤامرة سرّية ونحن نتظاهر في الطرقات؟ كان عبد الله السنوسي وحسن إشكال يستجوبانني فأخبرتهما أننا ندفع ثمن قناعتنا وأن النظام أضرّ بنا.
عند هذه المحطة كانت قد بدأتْ مرحلة البؤس والضرب والموت والإرهاب“.

في ليلة وصول جربوع من لندن، قام سبعة رجال بضربه واقتياده إلى معتقلات الكتيبة، وهناك قاموا  بحرق شعره وضربه إلى أن فقد الوعي .

يقول بشير عن هذه الحادثة: “كانوا يعذبوننا ثم يرسلوننا للإستجواب، لكن التعذيب الذي تعرّضت له كان أقل حدّة مما تعرّض إليه أصدقائي،  فالسلطات كانت قد قبضتْ على 545 طالباً واستجوبتهم جميعاً، ولما حان دوري كان رجالها قد أشبعوا ساديتهم بعض الشيء”.

بادرت مجموعة من المحامين بتمثيل جربوع وزملائه الطلاب على مدار أشهر مجاناً، فأطلقت محاكم بنغازي سراحهم بعد الضغط الشديد.

لكن السلطات  المستبدة في طرابلس، عاودت إلقاء القبض عليهم مجدداً ومحاكمتهم محاكمة عسكرية، فأصدرت على تسعة منهم أحكاماً بالإعدام وكان بشير جربوع من بينهم .

يقول عن ذلك: “قرّرت المحكمة أن تستبدل الحكم على الطلاب الأصغر سناً بالسجن لمدى الحياة، وأن تعدم اثنين فقط، هما عمر دبدوب ومحمد بن سعود” .

تمّت قراءة الحكم في طرابلس يوم 5 أبريل وشنقهما في بنغازي يوم 7  أبريل دون استئناف أو محكمة عليا أو قانون .

يقول بشير: “بعد أن قضينا شهرًا في طرابلس، تمّ نقلنا إلى سجن كويفية في بنغازي حيث ارتحنا هناك لمدة ثلاث سنوات، لأن الناس طيّبون وودودون وكنّا نحن من أبناء بنغازي، قبل أن نعود من جديد إلى سجن الحصان الأسود في طرابلس أولاً  ثم إلى سجن أبو سليم ثانياً، وكانت تلك السنوات هناك هي الأصعب والأقسى، فقد كنت مرةً أنزف لثلاثة أيام بعد أن اقتلعوا أسناني، وأذكر موت ثلاثة من زملائي بسبب النقص في العناية الطبيّة، بينما كان صوت القذافي يدوّي بالأخلاق في كل مكان عبر مكبرات الصوت”.

أطلق سراح جربوع عام 1988 خلال الفترة التي عرفت بإسم “أصبح الصبح” حينها أطلق القذافي سراح العديد من السجناء وبدأ بالمحادثات مع رموز المعارضة.

يقول بشير: “تمّ استدعائي واستجوابي وتعذيبي مجدداً لعدّة أيام عامي 1990 و 1993، وفي كل مرّة كانت الأسباب عشوائية، في أيام ليبيا القذافي، كانت الإعتقالات عشوائية والسجن عشوائياً والقتل عشوائياً والتعذيب عشوائياً، ولم يكن أحد يعرف ليلة هنيئة“.


سُجلت هذه المقابلة
في موقع كتيبة الفضيل في بنغازي
يوم 13 / 04 / 2013

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: