علي العكرمي

"قرأت في كتب التاريخ ولم أرَ أي مثيل لتلك الجريمة"

كان علي العكرمي رجلاً متعلّماً يعمل في شركة النفط الإيطالية. انتقل من تونس بلد والدته إلى ليبيا في عمر الـسادسة عشر وكانت لديه أحلام كبيرة ورغبة في تكوين عائلة. “في 15 أبريل 1973، ألقى القذافي خطاباً في زوارة تضمن خمس مبادئ. كان أولها إلغاء جميع القوانين وثانيها تطهير ليبيا من المرضى.”

لم يكن الخطاب تمييزياً بل استهدف جميع الأحزاب السياسية وأعضاءها بصرف النظر عن الأيديولوجيات. “توجه  بصراحة إلى جميع المفكّرين ليعدّوا حقائبهم ويستعدوا للتوجه إلى السجن. ضمّ الخطاب جميع الفئات والأيديولوجيات، التروتسكيين والبعثيين والقوميين والإسلاميين.”

كانت أيديولوجية عكرمي إسلامية وكان ناشطاً سياسياً وكاتباً تنشر كتاباته أسبوعياً. “كنت أدرك مصيري لكنني كنت قلقاً على والدتي فقد كنت ابنها الوحيد”. وفي أحد الأيام التي تبعت ذلك الخطاب الشهير، وصل عكرمي إلى منزله حيث كان بانتظاره ثلاثة رجال من الأمن الداخلي. دخلوا وفتّشوا مكتبه وأخذوا بعض الأوراق والكتب وطلبوا منه أن يأتي معهم. “أخبرت أمي أنني قد أتأخر ولم أعطها أية تفاصيل.”

خلال أيام، انتقل عكرمي إلى السجن المركزي حيث إلتقى بمئات السجناء الجدد الذين اعتقلوا بعد خطاب زوارة. “بعد عام ونصف، أعلن قاضٍ مصري براءتنا. لم ينفّذ الحكم وتم ترحيل القاضي إلى مصر. وخلال أشهر، أصدرت محكمة الجنايات حكماً بالإفراج عني فعدت إلى منزلي في ديسمبر 1974. لم يحصل القذافي على النتائج التي أرادها مع المحاكم المدنية فشكّل محاكم عسكرية ليفرض قواعده ورغباته.”

اعتقل العكرمي مرة أخرى وحوكم عام 1977 أمام محكمة عسكرية حكمت عليه بخمسة عشر عام من السجن. “لم يكن القذافي راضياً بما فيه الكفاية عن تلك الأحكام فاستبدلها كلها بأحكام إعدام وسجن لمدى الحياة.”

تم نقل عكرمي إلى جناح الشرطة العسكرية في سجن الحصان الأسود. “كانت أول ثلاثة أشهر مروعة، إذ كانوا يضربونني بالعصيان ويعذبونني بالكابلات الكهربائية. كان السجين يعترف بأمور لم يفعلها كي يتوقّفوا عن تعذيبه ولما كنّا نحاول الإلتزام بمبادئنا كان الضرب يزداد سوءاً. تم نقلنا بعد الإستجواب إلى قسم الشرطة المدنية في السجن، حيث كانت الحياة أفضل بكثير إذ كانت القراءة والزيارات العائلية الأسبوعية مسموحة.”

تغيّر الحال مرة أخرى عام 1980 حين “ألقى القذافي خطاباً هاماً في مجمع باب العزيزية صرّح فيه أنه سيقتل رجال المعارضة ويقبض على نسائهم وييتم أولادهم”. شهدت فترة الثمانينات عدداً كبيراً من الإغتيالات لرموز المعارضة خارج ليبيا وضحايا لا تحصى داخل البلاد.

“كنا نملك أجهزة راديو في السجن وكنّا نسمع عن كل تلك الاغتيالات. كان النظام يتبجّح إذ أراد أن يظهر أن بإمكانه أن يتسلل إلى الدول الأوروبية ويصل إلى المعارضين في عقر دارهم.”

في أغسطس عام 1980، تم إلقاء القبض على مهندسيْن إيطاليين في ليبيا وسجنهما بتهمة التآمر ضد البلاد. “حين كان يتم القبض على المغتالين الليبيين في الدول الأوروبية، كان النظام يعتقل مواطني تلك البلاد في ليبيا.”

تم إلقاء القبض في أكتوبر 1986 على الإيطاليين أنزو كاستيلي وإدواردو سيليشياتو واتهامهما مع ثلاثة ليبيين  بالقتل ومحاولة إغتيال الليبيين في إيطاليا.

“كان كاستيلي زميلي في الزنزانة وعلّمني اللغة الإيطالية وعلّمته الفرنسية. لم يكن بحوذتنا أوراق فطلبنا من طبيب السجن أوراق كربون مثل الذي يستخدمونها على الأسنان، كما كنّا نستخدم كرتون السجائر والصابون. تعلّمت الإيطالية والتاريخ الإيطالي. وبعد أن رحل إنزو، بدأت أعلّم باقي السجناء.”

في منتصف الثمانينات، تم نقل عكرمي وغيره إلى سجن أبو سليم الجديد. ويتذكر العكرمي التفاصيل خلال زيارة إلى السجن المهجور قائلاً: “شهدنا الكثير من الأحداث المخيفة هنا وكنا نموت ببطء. قضيت إثني عشر عاماً هنا دون أن أتلقى أي زيارة وكنت أرى الأصدقاء والصالحين يموتون أمامي. نزف أحد الرجال من بواسيره ستة سنوات بينما عانى آخر من ألم في أسنانه لمدة أربع سنوات. كان دمنا مهدوراً.”

عاش عكرمي وزملاؤه حياة مليئة بالإرهاب وعانوا من الجوع والبرد، ومن نقص النوم الناتج عن مكبرات الصوت التي كانت تذيع الخطب وأغاني ثورة القذافي باستمرار. “كان سماع صوت أصدقائنا يتألّمون مصدر ألم في حد ذاته. شاهدنا أصدقاء يصابون بالجنون أمامنا. أرادوا أن يدمّروننا.”

كان عكرمي ينام في غرفة مع إحدى عشر زميل له، وكان الحمام داخل الغرفة والأضواء منارة دائماً والجرذان تملؤ المكان. “كانت الجرذان تخرج من الحمام وعضّت العديد من زملائي كما انتشرت الحشرات في المكان أيضاً. اعتاد  الحراس أن يضعوا قماشة على أفواههم قبل الدخول إلى زنزانتنا بسبب قوة الرائحة.”

كان جميع من في السجن يستعدون نفسياً كل عام في السابع من أبريل ليلاقوا حتفهم. “كان القذافي يحتفل في ذلك اليوم سنوياً بشنق وإعدام بعض السجناء. لم يكن يصدر بحقهم أحكاماً بالإعدام لكن على الرغم من ذلك كانوا يعدمون في الساحات العامة.”

في 29 يونيو 1996 وقعت مذبحة في السجن وأظهرت السجلات أنه تم قتل 1270 سجيناً خلال ساعات. “في ذلك السبت، اقتيد زميلنا أحمد الثلثي إلى قسم آخر من السجن. بدأ إطلاق النار الساعة الحادية عشر صباحاً واستمر حتى الواحدة والأربعين دقيقة ظهراً. كان كثيفاً ومخيفاً. وحين خرجنا بعد ساعة لتناول وجبة الغداء أمرونا بالوقوف  في مواجهة الجدار فاعتقدنا أنه قد حان دورنا إلى أن أخبرنا أحد الحراس أن السجناء القدامى غير مشمولين. قرأت في كتب التاريخ ولم أرَ أي مثيل لتلك الجريمة. شباب معزولون في سجن محاط بالعديد من الحراس ويتم تصفيتهم بهذه الطريقة البشعة.”

إعقل العكرمي مدة ثلاثين عاماً حاول خلالها الهرب مرات عديدة. كان في سن ال22 عند اعتقاله لأول مرة وخرج عام 2002 بعد أن أكمل سن الـ52. “كنت سعيداً بالانخراط في المجتمع مجدداً وبتأسيس عائلة. أود أن أبني اليوم مجتمعاً يقدّر الناس ويقاوم السجن السياسي ويحارب الطاغية ويحترم الإنجازات التي أتت نتيجة لتضحيات العديد من السجناء والشهداء.”


سُجلت هذه المقابلة
في سجن آبو سليم في طرابلس
يوم 08 / 12 / 2012

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: