ناصر بن ساسي

"هُدّمت المحلات وجميع البضائع والأموال لا تزال فيها شعرنا كما لو أننا في غزة أو صبرا وشاتيلا أو جنين"

كان ناصر عمران بن ساسي يملك متجرًا في سوق الثلاثاء الشهير في طرابلس قبل أن تغلقه الحكومة دون سابق إنذار في العام  2009. يقول عن ذلك : “ كانت أربعون ألف أسرة تستفيد من هذا السوق، لم يعطونا أي إشعار أو أي تعويض”.

لم تكن تلك المرّة الأولى التي يتعرّض فيها بن ساسي لضربة مالية قاسية من النظام. يقول عن وضعه المادي: “ كان والدي يملك الشركات وكنا نعيش في بحبوحة، أتذكّر كيف كان جيراننا يأتون إلى بيتنا لمشاهدة الأفلام الأمريكية عام 1969“.

بعد انقلاب القذافي عام 1969، استمرّت العائلة بالعيش بشكل مريح وازدادت التجارة، وحتى العام 1973 كان الجميع بخير. يقول عن تسلط القذافي: “كان والدي تاجراً  لمواد البناء، وكان يملك مخزناً كبيراً ومرافق للبيع غير بعيدة عن مجمع باب العزيزية للقذافي.
أراد القذافي الأرض، فقدم خمسة عشر مسلّحاً من قوات الأمن واستولوا عليها عام 1973،  لم يتركوا لنا سوى الملابس التي كنا نرتديها، لقد حدث هذا مباشرة بعد خطاب زوارة الشائن في شهر نيسان.

في ذلك الوقت كان ناصر الذي بلغ الخامسة عشرة من العمر وشقيقه الأكبر يعملان مع والدهما بعد المدرسة .عمل أعمامه أيضاً في التجارة التي وظّفت العديد من العمّال الليبيين والأجانب. يقول ناصر: “شاركنا في بناء ليبيا بشكلٍ كبير، كنّا نؤمّن الإسمنت والحديد والخشب وجميع مواد البناء. كانت المرافق التي صودرت دون تفاوض أو تعويض تتألف من 3000 متر مربّع من مرافق التخزين الداخلية والمكاتب،  عندها تحوّل انتباهنا إلى ستة محلات تجارية كان والدي يملكها في سوق الثلاثاء القديمة في شارع المعرّي حيث كان انطلاقه في عمله منها “.

خوفاً من قانون العام 1979 الذي شهد أعمال المصادرة والتأميم، تقدّمت عائلة بن ساسي بطلب للحصول على رخصة تصنيع وبدأت بإنتاج وبيع الخيام وفرش السيارات. يتحدث ناصر عن ذلك: “كنا نملك أيضاً محلين تجاريين في سوق الثلاثاء الجديدة، حوّلناهما إلى كراجات لخدمة السيارات وبيع قطع الغيار” .

صودرت المحلات الستة في شارع المعري في العام1993  والآن بعد عشرين عاماً ما زالت عينا بن ساسي تغرورقان بالدموع عندما يروي قصة ذلك اليوم الذي أعطاهم فيه رئيس مجلس طرابلس مهلة ثلاثة أيام لإخلاء المحلات التجارية المئة التي كانت موجودة في ذلك الشارع .

يقول بأسى: “في الحقيقة، شعرنا في ذلك اليوم أننا لم نكن ليبيين، فقد كان ذلك ظلماً فادحاً وكانت الإساءة كبيرة، كنّا نعيش حياة جيّدة بفضل قوّتنا وعملنا الشاق، ومن دون أي مساعدة من الحكومة. ..أخذوا كل ذلك منّا“ .

ألقى الوالد بن ساسي بنفسه على الأرض في متجره احتجاجاً. يتألم بن ساسي حين يتذكر والده الذي أصيب بالمرض بعد تلك الحادثة قائلاً: “كان عبد السلام الزادمه رجلاً حاقداً يلبّي طلبات القذافي، وعندما رأى احتجاج والدي، قصّر مهلة التسليم إلى 24 ساعة “.

استأجرت العائلة السيّارات وأفرغت جميع المعدّات والمواد من المحلات التجارية الستة، ولحقت الأضرار بنصفها وهم ينقلونها إلى مزرعتهم . يقول ناصر: “توفي والدي بعد ثلاث سنوات وحلّت بنا الكثير من المآسي،  كنا نرغب في بناء ليبيا، وكان ينبغي أن تكون واحدة من البلدان الأكثر تطوّراً نظرًا لموقعها الجغرافي وثروتها “.

لا تزال حتى يومنا هذا المحلات التجارية الستة التي قاموا بمصادرتها في العام 1993 كما كانت آنذاك، لم يستخدمها أحد. يؤكد بن ساسي ذلك بقوله: “لم تستفد الحكومة منها، ولم تسمح لنا بالإستفادة“.

واصل بن ساسي العمل خارج الوحدتين اللتين كانوا يملكونهما في سوق الثلاثاء الجديدة، حتى العام  2009. فيقول: “حدث معي ما حدث لأبي تماماً، الجناة أنفسهم لكن المسؤول هذه المرّة كان بغدادي المحمودي، لم يتغيّر سوى الزمان والمكان”.

هدد أفراد النظام على مدى السنوات القليلة الماضية بهدم سوق الثلاثاء، لكن أصحاب المحلات كانوا يقاومون ويفاوضون؛ حتى صدموا بعد ظهر أحد أيّام الجمعة بالجرّافات تهدم المحلات التجارية. يقول بن ساسي: “كانت جميع البضائع والأموال لا تزال في المحلات، شعرنا كما لو أننا في غزة أو صبرا وشاتيلا أو جنين”.

لم يكسب بن ساسي أي أموال منذ العام 2009،  لأنه لم يتمكّن من العثور على عمل ولم يتلقّ أي تعويض أو دعم من الحكومة. وبالإضافة إلى خسارته لأحلام وطموحات طفولته وفرصته لكسب التعليم والدخل، خسر بن ساسي ثلاثة عشر عاماً من حياته في خدمة القوات المسلّحة الليبية.

يقول عن انضمامه إليها: “لقد انضممت إلى القوّات المسلّحة في العام 1980، كانت سنوات الخدمة العسكرية إلزامية حينها، وخدمت ثلاثة عشر عاماً. وما بين الذهاب والاياب، قضيت ثلاث سنوات في تشاد، حيث كنت أرى أصدقائي يموتون من حولي في الحرب التي لم تخدم الليبيين.”

“لا يمكن أن يكون القذافي ليبياً ولا أباً لليبيين، لا يعامل الأب أولاده بهذه الطريقة،  يستحيل أن يكون كذلك“.


سُجلت هذه المقابلة
في منزله في طرابلس
يوم 14 / 12 / 2012

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: