عبد القادر الثلثي

"أرادوا منه أن يتحمل مسؤولية تفجير لوكربي. أخبره السنوسي انه سيطلق سراحه إن قام بتلك الخدمة."

ولد عبد القادر أحمد الثلثي في تشرين الثاني/نوفمبر 1986. كانت والدته وداد حاملاً به في شهرها الثالث حين كان والده أحمد الثلثي في السجن. تقول وداد: ” تزوجنا قبل ثلاث سنوات من سجنه. كنا في تلك الفترة نعيش في لندن حيث كان أحمد يدرس الهندسة الكهربائية منذ العام 1975. وبعد عشرين يوماً من عودتنا للعيش في ليبيا، قاموا باعتقاله. كان ذلك في نيسان من العام 1986، ولم أسمع منه أو عنه شيئاً لمدة سنة بعد ذلك.”

كان أحمد الثلثي ناشطأً سياسياً. وتقول زوجته بأنه كان رجلاً لطيفاً يشعر بالاحباط لرؤية الأبرياء يُقتلون بعنف ويُعدمون علناً. ​كان يشعر أن عمله ككاتب للمنشورات المعادية للنظام ليس كافياً.

لا يتذكر ابنه الكثير عنه. ففي الوقت الذي بلغ فيه عبد القادر العشر سنوات، تم منع الزيارات عن سجن بوسليم حيث كان والده.

تقول وداد: ” زرنا أحمد في السجن للمرة الأولى في نيسان/ابريل عام 1988، حين أمر القذافي بهدم جدران السجن والترحيب بالزائرين. لم أكن متأكدةً أن أحمد كان في بوسليم. كان عبد القادر لا يزال طفلاً آنذاك فأخذته بين ذراعي وتوجهت إلى هناك على أمل أن نجد والده. حين وصلت كان جميع السجناء مصطفين أمام الجدار وكان هناك العديد من أفراد الأسر. نظرت إلى صف السجناء من خلال الحشود واحداً تلو الآخر حتى رأيت أحمد. كان يوماً صعباً.”

يتذكر عبد القادر عدداً قليلاً من الزيارات. “كان مكاناً كريهاً وكان المكان المخصص للزيارات وسخاً ولم يكن هناك كراسي. كان اللقاء يتم في الهواء الطلق بغض النظر عن أحوال الطقس. كنا نزوره مرة كل شهر، ولكن في بعض الأحيان، وبشكل عشوائي، كانوا يمنعوننا من زيارته لعدة أشهر دون تفسير.”

حدث هذا في العام 1996، بعد مذبحة بوسليم. “كل ما أتذكره بعد العام 1996 هو إعداد والدتي للطعام التي كانت تضعه في صناديق مع أشياء أخرى قد يحتاجها والدي. كانت جميع الأسر تعد صناديق سخية من المؤن لأحبائها وتأخذها كل شهر إلى السجن. كانوا يجبرون الناس على الصعود على تلك الشاحنة العالية جداً في الجزء الأمامي من السجن تحت أشعة الشمس الحارقة وبجوار مقلب القمامة من أجل وضع صناديقهم هناك. كان المشهد سخيفاً.”

بقيت العائلات، لسنوات عديدة، تترك المؤن هناك، دون ان تعرف أن أفرادها قُتلوا في مجزرة بوسليم التي أودت بحياة 1270 شخص في 29 حزيران/يونيو 1996. “سمعنا فيما بعد أن بعض الحراس فتحوا محلات صغيرة لبيع تلك المؤن.”

بدأت الشائعات تتردد فوراً بعد المذبحة. تتذكر وداد امرأة كانت تعمل معها. قالت لها في احد أيام الصيف الحارة أن تعتبر زوجها ميتاً إن كان من بين المعتقلين الإسلاميين في سجن بوسليم. “كنت قد سمعت بعض الشائعات في اليوم السابق، ورأيتها في صباح ذلك اليوم تصعد في سيارة أمن. كانت فجّة جداّ وقالت لي أن بعض السجناء السياسيين نالوا حتفهم أيضاً وأنه تم وضع كل الجثث في شاحنة لتعبئة اللحوم. شعرت بصدمة كبيرة واستمرت الشائعات، ولكني لم أعتبر أحمد في عداد الأموات قط.”

في شباط/ فبراير 2000، تمت محاكمة في محكمة خارج طرابلس وكان اسم أحمد على جدول من ستة أسماء. تقول وداد: “ذهبت إلى هناك على أمل أن أراه لكني رأيت الخمسة الآخرين فقط. لم يكن أحمد هناك لكنهم كانوا يُنادون اسمه وحُكم على الستة بالسجن مدى الحياة.”

يقول عبد القادر “في شهر رمضان من عام 2002، طرق بابنا رجل وسلّمنا رسالة. قال انها من والدي وغادر بسرعة. وأضاف: “كانت الرسالة وجيزة، يطلب فيها ساعة وأدوية ومال. “لمساعدتي مع الحراس”. كانت العائلة متأكدة من أن الرسالة كانت من أحمد. “لم نشك في ذلك. كانت مكتوبة بخط يده.”

بعد أسبوع عاد الرجل فسلمناه رسائل من العائلة والأغراض المطلوبة بالاضافة الى ألف دينار. “وبعد اسبوع تلقينا رسالة أخرى من أبي، وفيها اشارة إلى الأمور التي كتبناها في رسائلنا له. ومرة أخرى كانت الرسالة بخط يده، وأسلوبه في الكتابة.”

في السنة التالية، عندما زارت هيومن رايتس ووتش ليبيا، طلبت من السلطات زيارة أحمد الثلثي بناء على طلب من العائلة. “قالوا لنا أنهم لم يسمحوا لهم بالزيارة وأنهم قد سمعوا أن والدي كان في أحد سجون  بنغازي.”

تأكدنا أن أحمد لا يزال على قيد الحياة في العام 2009. “تلقى عمي مكالمة هاتفية من أجهزة الاستخبارات وطلبوا منه إعداد دفتر العائلة لأنه سيتم الإفراج عن والدي في الأيام القادمة. انتظرنا شهرا. ثم تلقى عمي مكالمة مماثلة في الأيام الأولى لثورة 2011، عندما أطلق القذافي سراح بعض السجناء في محاولة لاسترضاء المحتجين.”

بعد أن فتح الثائرون أبواب سجن بوسليم في 23 آب/أغسطس 2011، شكل السجناء السابقون كتيبة وبدأوا البحث عن حراس السجن السابقين وسجنهم. “التقيت بسجين سابق في بوسليم وسمعت منه عن المجزرة. يعمل الآن كرئيس للمحققين وأكد لي أن المعلومات التي تم جمعها تشير إلى أن والدي كان من بين القتلى الذين سقطوا في المجزرة .”

سُجن أحمد مع صديق له يدعى يوسف وحوكما سوياً. “بعد ثورة 2011، أكد لنا يوسف أن الحراس نادوا اسم أحمد ليرافقهم الى الفناء يوم وقوع المجزرة.”

تذكر وداد إحدى المحادثات التي جرت بينها وبين زوجها وتفسر لماذا تم استدعاء أحمد إلى الخارج بالرغم من أنه لم يكن إسلامياً مثل معظم الذين قتلوا في المجزرة. تقول وداد عن رئيس مخابرات القذافي “كان عبد الله السنوسي، الرجل المسؤول خلال المجزرة، يكره أحمد. وقال له مرة انه لن يخرج من السجن حياً.”

كان احمد قد روى لزوجته مرةً عن مواجهة غريبة مع السنوسي. “دُعي أحمد إلى مكتب السنوسي”، الذي طلب منه خدمة آنذاك. أرادوا منه أن يتحمل مسؤولية تفجير لوكربي. أخبره السنوسي انه سيطلق سراحه إن قام بتلك الخدمة لبلده. قال له أنه سينقل إلى سجن لاهاي وأن الحكومة الليبية ستطلق سراحه وتعيده إلى ليبيا حيث ستعفيه السلطات من عقوبة السجن المؤبد ويصبح حراً.”

وتقول وداد ان أحمد رفض العرض، مؤمناً بمبادئه ومنطقه. “رفض أحمد تحمل مسؤولية تفجير لوكربي. وقال لهم أن مبادئه لا تسمح له أن يُتهم بقتل مئات من الناس. كما قال لهم انه سجن قبل عامين من تفجير لوكربي عام 1988 .زارته هيومن رايتس ووتش وأجرت معه مقابلة في السجن في العام 1986، ولا شك أنها تحتفظ بملف خاص به. “وهكذا قام أحمد بإخبار السنوسي أن الاستخبارات الليبية كانت تدمر ليبيا بغبائها.”

أُبلغت العائلة أن السلطات تنظر في كافة الملفات التي وجدتها في بوسليم. “نأمل أن نرى ملفه قريباً. نحن بحاجة لأن نتأكد” تشرح وداد وعبد القادر، اللذان حزنا على أحمد مرات عديدة وهما يعيشان بين الأمل واليأس.

“عندما تبادلنا الرسائل، كنا متحمسين جداً كوننا على اتصال معه. كنا نرسل له الحلويات والصور. إنه شعور رهيبٌ الآن أن نعرف أنهم استغلوننا وسخروا منا بتلك الطريقة. لقد جعلونا نعتقد انه كان على قيد الحياة وقرأوا رسائلنا وأخذوا أموالنا. كان كل شيء مهزلة كبيرة”.


سُجلت هذه المقابلة
في منزلهما في طرابلس
يوم 13 / 12 / 2012

المواضيع والانتهاكات ذات الصلة لهذه القصة:


أخبر أصدقاءك عن هذه المادة:


أقراء وشاهد مقابلات اخرى مع
ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد القذافي: